الإجازات المرضية لموظفي الخدمة المدنية: المدد والإثبات وصلاحيات الأطباء

 

يستحق الموظف الخاضع للائحة التنفيذية للموارد البشرية في الخدمة المدنية إجازة مرضية لا تتجاوز سنتين خلال أربع سنوات خدمة، موزعة على ستة أشهر براتب كامل، ثم ستة أشهر بنصف الراتب، ثم سنة بربع الراتب. هذا هو الأصل العام الذي نصت عليه المادة (141) من اللائحة، ولها بعده أربع حالات خاصة تختلف فيها المدد والنسب اختلافًا جوهريًا. وفيما يلي تفصيل هذه الحالات، وطريقة إثبات الإجازة، وحدود صلاحية كل طبيب في منحها.

المدة الأساسية وكيف تُحسب السنوات الأربع

الفقرة (أ) من المادة (141) تقرر الترتيب المشار إليه أعلاه، وتضيف تفصيلًا يغفل عنه كثيرون: أن بداية احتساب السنوات الأربع تكون من تاريخ بداية الإجازة المرضية نفسها، لا من تاريخ التعيين ولا من بداية السنة المالية.

معنى ذلك أن المدة ليست رصيدًا سنويًا يتجدد، بل نافذة زمنية متحركة تبدأ مع أول انقطاع مرضي. والموظف الذي استنفد جزءًا من مدته في سنة معينة يحمل أثر ذلك معه داخل هذه النافذة، ولا يعود الرصيد إلى نقطة الصفر بانتهاء السنة المالية.

وهذا الترتيب التنازلي في الراتب مقصود في تصميم اللائحة: الأشهر الأولى مغطاة بالكامل، ثم تتدرج التغطية نزولًا كلما طال الانقطاع، وصولًا إلى ربع الراتب في السنة الأخيرة من المدة.

الأمراض الخطيرة: ترتيب مختلف

الفقرة (ب) تعالج حالة الموظف المصاب بأحد الأمراض الخطيرة التي تحددها الجهة الطبية التي تتولى علاجه. وهنا يبقى السقف الإجمالي كما هو — سنتان خلال أربع سنوات خدمة — لكن التوزيع يتغير لصالح الموظف: سنة كاملة براتب كامل، ثم ستة أشهر بنصف الراتب، ثم ستة أشهر بربع الراتب.

الفارق العملي كبير. ففي الحالة العامة يحصل الموظف على ستة أشهر براتب كامل، وفي حالة المرض الخطير يحصل على ضعف هذه المدة بالتغطية الكاملة نفسها.

ونصت الفقرة نفسها على أن احتساب هذه المدة يبدأ من تاريخ انقطاع الموظف عن العمل. أما تحديد ما إذا كان المرض يندرج ضمن الأمراض الخطيرة فهو اختصاص الجهة الطبية التي تتولى العلاج، لا جهة العمل ولا الموظف.

وأضافت الفقرة (ج) حكمًا مهمًا للحالات التي يتغير فيها التشخيص: إذا تقرر أن لدى الموظف مرضًا خطيرًا وهو يحصل بالفعل على إجازة وفق الترتيب العام، فإن الإجازة تُعدَّل من تاريخ بدايتها لتصبح وفق ترتيب الأمراض الخطيرة. أي أن التعديل يسري بأثر رجعي إلى بداية الإجازة، لا من تاريخ صدور التشخيص الجديد.

الإصابة أو المرض بسبب العمل

الحالة الثالثة، في الفقرة (د)، تخص الموظف الذي يتعرض لإصابة أو مرض يمنعه من أداء عمله بصفة مؤقتة، على أن تكون الإصابة أو المرض بسبب تأدية العمل.

هنا تختلف المعادلة كليًا: إجازة مرضية لا تتجاوز سنة ونصف السنة براتب كامل، دون تدرج تنازلي. وهو أعلى مستوى حماية في المادة كلها، ومبرره أن سبب الانقطاع يعود إلى العمل نفسه.

وإذا لم يبرأ الموظف من إصابته أو لم يشف من مرضه بعد انتهاء هذه المدة، فلا تنتهي القصة تلقائيًا. تنص الفقرة على أن يُعرض أمره على الهيئة الطبية العامة، لتقرر إما أنه عاجز عن العمل، وإما تمديد إجازته مدة أو مددًا لا تزيد في مجموعها على سنة ونصف، ويُصرف له في هذه الحالة نصف الراتب.

غسيل الكلى وجلسات العلاج الدورية

الفقرة (و) تعالج وضعًا لا تنطبق عليه فكرة الانقطاع الممتد: الموظف المصاب بفشل كلوي أو بأحد الأمراض التي تستلزم جلسات علاج دورية تحددها الجهات الصحية المختصة.

هذا الموظف لا ينقطع عن العمل شهورًا متصلة، لكنه يغيب أيامًا متفرقة على مدار السنة. ولذلك منحته اللائحة إجازة براتب كامل عن الأيام التي يُجرى فيها الغسيل للتنقية الدموية أو يحضر فيها جلسات العلاج الدورية، بما لا يزيد على ستين يومًا في السنة، بموجب تقرير من الجهة الطبية التي تتولى علاجه.

والحكم الأهم في هذه الفقرة أن هذه الأيام لا تُحتسب ضمن الإجازة المرضية المنصوص عليها في الفقرتين (أ) و(ب). أي أنها رصيد مستقل لا يستهلك رصيد الموظف الأساسي، وهو تمييز جوهري لمن يعيش مع مرض مزمن ويواصل عمله.

في المقابل، فرّقت الفقرة (ز) بين هذه الجلسات وبين الزيارات الطبية العادية، إذ نصت على أن الزيارات الطبية التي يقوم بها الموظف للجهات الطبية تندرج ضمن الإجازة المرضية المحددة في الفقرة (أ)، بموجب تقرير من الجهة الطبية المعالجة. كما نصت الفقرة (ح) على أن مدة التنويم أو الملاحظة الطبية داخل المستشفيات تُحتسب ضمن الإجازة المرضية.

ماذا يحدث بعد انتهاء الإجازة

عالجت الفقرة (هـ) الوضع الذي يقلق الموظف أكثر من غيره: أن تنتهي إجازته المرضية وهو غير قادر على مباشرة عمله.

المسار الذي رسمته اللائحة يبدأ بإبلاغ الهيئة الطبية العامة لتحديد وضعه الصحي، ثم يتفرع إلى احتمالين. فإن لم تقرر الهيئة عجزه الصحي عن العمل، كان للموظف الحق في استنفاد رصيده من الإجازة العادية أو الاستثنائية. وإن قررت الهيئة عجزه الصحي، أو كان قد استنفد رصيده من الإجازات العادية والاستثنائية، فتُنهى خدماته لعجزه الصحي.

وأضافت الفقرة التزامًا على جهة العمل: أن تضع الترتيبات اللازمة بالنسبة إلى الموظف المريض، بمنحه الإجازات العادية أو الاستثنائية وفق ضوابطها إن كان ثمة أمل في شفائه، أو إنهاء خدمته.

كيف تُثبَت الإجازة: المهل الزمنية

لا تكفي المدة المستحقة وحدها، إذ رتبت الوزارة إطارًا تنظيميًا لإثبات الإجازة المرضية تسقط بمخالفته التقارير مهما كانت صحيحة طبيًا.

إذا أصيب الموظف أثناء مباشرته لعمله أو شعر بأنه لا يستطيع الاستمرار بسبب مرضه، فعليه أن يتقدم إلى رئيسه المباشر في نفس اليوم بطلب إحالته إلى الجهة الطبية المختصة. وعلى الجهة الطبية التي أجرت الكشف أن ترسل التقرير إلى جهة عمله في اليوم نفسه أو اليوم التالي على الأكثر، وأن تزوّد الموظف بنسخة موثقة منه لإبلاغ جهة عمله خلال مدة لا تتجاوز خمسة أيام من تاريخ إجراء الكشف.

أما إذا لم يتمكن الموظف من الحضور بنفسه لأي سبب، فعليه مراجعة الجهة الطبية المختصة، على أن يُبلغ رئيسه المباشر في اليوم الأول بأسرع وسيلة متاحة لديه، وتسري عليه المهلة نفسها.

وللمرض خارج المملكة حكم خاص. فمن أصيب أو شعر بالمرض خارجها — سواء كان يعمل في ممثليات المملكة أو في مهمة أو إجازة أو عطلة رسمية أو أي فترة غياب مسموح بها نظامًا — فعليه إرفاق تقرير طبي موقع من طبيب مختص، ومصدق على توقيعه من الجهة المختصة في الدولة التي يوجد بها، ومصدق كذلك من الممثليات السعودية في الخارج، وإخطار جهة عمله خلال مدة لا تتجاوز خمسة عشر يومًا من التاريخ المحدد لمباشرته، ولجهة العمل تمديد هذه المدة إذا اقتنعت بأسباب التأخير.

من يملك صلاحية منح الإجازة وكم يومًا

هذا هو الجزء الذي يفسّر معظم حالات رفض التقارير الطبية، لأن الصلاحية مقيدة بعدد أيام محدد لكل مستوى طبي.

طبيب المركز الصحي أو المستوصف الحكومي أو الوحدة الصحية يملك منح يوم واحد من تاريخ الانقطاع كحد أقصى، مصدقًا من مدير المنشأة، ويجوز تمديدها يومًا آخر. وترتفع الصلاحية إلى ثلاثة أيام في حال الاشتباه بالإصابة بمرض معدٍ، فإذا تأكد المرض المعدي مخبريًا أو إشعاعيًا مُدّدت الإجازة بحسب نوعه، على ألا تتجاوز المدة الكلية لكامل الإجازة المرضية للمرض المعدي أربعة عشر يومًا من تاريخ الانقطاع، وفق التعديل الصادر بالقرار الوزاري رقم (316403) وتاريخ 1444/12/23هـ.

أما طبيب المستوصف الأهلي أو العيادات المجمعة الأهلية المصرح لها بإجراء عمليات اليوم الواحد، فصلاحيته يوم واحد فقط من تاريخ الانقطاع، مصدقًا من مدير المستوصف أو العيادة، على ألا تتجاوز سبعة أيام في السنة الواحدة.

وترتفع الصلاحية إلى ثلاثة أيام لطبيب المستشفى أو العيادات المجمعة الأهلية في حالة إجراء عملية للموظف، ويجوز تمديدها في حدود ثلاثة أيام أخرى فقط. وإلى أربعة أيام لطبيبين أحدهما استشاري بالمستشفى، مصدقًا على توقيعهما من مدير المستشفى، ويجوز تمديدها في حدود أربعة أيام أخرى فقط.

وما بين ثمانية أيام وثلاثين يومًا يحتاج ثلاثة أطباء أحدهم استشاري، مصدقًا على توقيعهم من مدير المستشفى. فإذا رأى هؤلاء أن المريض يحتاج إجازة تزيد على ثلاثين يومًا، جاز لهم التوصية بذلك بشرط اعتمادها من جهة أعلى.

أما المدة التي تزيد على ثلاثين يومًا فلا تُعتمد إلا من الهيئة الطبية العامة بوزارة الصحة، أو من مستشفى الملك فيصل التخصصي بالنسبة للموظفين الذين يتلقون العلاج لديه، أو من اللجان الطبية العسكرية بالنسبة لموظفي القطاعات العسكرية.

مسار التقرير داخل الجهة

على جهة عمل الموظف إحالة التقرير الطبي المطلوب عرضه على الهيئة الطبية العامة خلال مدة لا تتجاوز ثلاثة أيام من تاريخ استلامه، وتزويد الهيئة ببيانات الموظف الشخصية والوظيفية ووسائل التواصل.

وعلى الهيئة الطبية العامة النظر في التقارير المحالة إليها والتقرير في شأنها خلال مدة لا تتجاوز عشرة أيام من تاريخ استلامها، ويجوز لها في الحالات التي تتطلب وقتًا أطول أن تزيد هذه المدة بما لا يتجاوز خمسة أيام إضافية بحد أقصى.

إذا لم تقتنع الهيئة بالتقرير

نصّ الإطار على حكم صريح لهذه الحالة: إذا لم تقتنع الهيئة الطبية العامة بالتقرير المقدم أو بمدة الإجازة الممنوحة، فعليها إخطار جهة عمل الموظف رسميًا بذلك.

وعندها يجوز لجهة العمل النظر في أمر المدة التي انقطع فيها الموظف بحجة المرض، فتحتسبها من إجازته العادية إذا كان له رصيد يسمح بذلك، أو تحتسبها إجازة استثنائية إن لم يكن له رصيد، أو تعتبرها غيابًا لا يستحق عنه راتبًا إذا استنفد إجازاته الاستثنائية.

كما أنه في حال عدم اقتناع جهة العمل نفسها بصحة التقرير أو سلامته، فعليها مخاطبة الجهة المشرفة مباشرة على الجهة الطبية التي أصدرته للتأكد، فإذا ثبت عدم صحته أو أن به ما يشوب سلامته فلها اتخاذ الإجراءات النظامية اللازمة.

وختم الإطار بقاعدة حاسمة: لا يُعتد بأي تقرير طبي بمنح إجازة مرضية يخالف الأحكام أو الإجراءات الواردة فيه. وهذه القاعدة وحدها تفسّر لماذا يسقط تقرير طبي صحيح مضمونًا لمجرد صدوره من جهة لا تملك صلاحية المدة الممنوحة، أو لتأخر تسليمه عن المهلة المقررة.


إرسال تعليق

0 تعليقات